بدأ هذا العيد على مهل..
منذ تكبيرات العشر وكل الله أكبر توقظ الحنين الذي يمكث في زاوية القلب..
أنا أدعي بأنه حنين.. هو حزن أتوارى عنه بشتى الصور والأشكال والمسميات..
لم يتغير العيد في ٢٠١٦ م..
لكنه كان فارغا.. مضى على شاكلته التي اعتدت عليها..
زاحمته بانشغالات متعددة..
العيد اليوم ..
مكانه جديد، وتوقيته جديد، بوجوه جديدة..
في هذا الصباح عندما القيت السلام، ابتلعت معها غصة..
لم يضي الوقت إلا وقد نالت من وجهي الدموع فاجهشت بالبكاء..
مضى من الوقت خمسة أشهر وبضع أيام .. لم ألتق بأحد قط!
إلى بيتٍ في زاوية أبوحليفة..
كأنك لا تستطيع أن تفصل بين حرارة الصيف ولهيب الغياب..
"بيت أبوحليفة صار ما يصلح نروح له إلا بالشتا"
و كأنه قرار صارم برغبة جماعية لتغيير المكان..
"البيت قديم.. العوازل ما تلحق.. والمكيف ما تلحق!"
و كأن لهيب الفقد يشتعل.. وتلك العوازل لم تفصل بين حرارتين أحدهما في الداخل والأخرى في الخارج..
كانت برداً وسلاما للمكان.. اسكنها الله جنة هي برداً وسلاما..
إلى أمي رفعة..
اليوم كأني ألتقي بوجوه أهلي لأول مرة..
العيد كان بعيداً جداً عن مكانه..
والبيت بقي العزاء الوحيد..
لم أجهش بهذا الكم من الدموع من قبل!
أعلم اليوم أن الروتين الذي كبرت عليه.. وترعرعت في حجره.. هو العزاء ..
الزوايا التي نمرها صباحاً.. نلقي السلام عليها.. تعيد لنا العيد والسلام..
إلى المكان الذي احتضن هذا العيد..
جلست أتأملك تكرارا ومرارا..
"البيت متغير يمه!"
" لا يتراوى لك.."
"بس فيه شي غير..!"
"متى آخر مرة جيتي هني؟؟"
ابتلعت الإجابة.. هربت منها "ما أذكر.. نستني الكورونا كل شي"
أذن العشا..
اتجهت للقبلة.. التلفزيون من خلفي.. و المقعد أمامي..
"الله أكبر"
لحظة القبلة مو بهذا الاتجاه وسوم..!
"متى آخر مرة جيتي؟.."
وكأن هذا السؤال يراقبني.. يراقب ردت فعلي.. يريد أن يأخذني بعزلة جديدة..
ابتلعت الإجابة مرة أخرى..
الذي أعرفه في صباح العيد..
يا مرحبا..
وأعرف جبينها.. وغطاء وجهها الذي لا يكشف سوى عينيها بكحلها الأسود..
"بترجعين البيت؟"
" لا بقعد.."
"طيب .. روحي البيت بدلي ارتاحي.. وارجعي. المغرب"
" لا باخذ من أمي رفعة نفنوف وبغط شوّي على سريرها"
وبعد دراعة العيد.. تأخذ الفكاهة مساحتها..
" بنت عبدالغني شربت.."
" الشريب بزّة"
" وسمية تخرج من البحر..!"
" وحدة من بنات عقاب.."
"رقية ولا سبيكة .."
إجابة واحدة..
"خززززنة.."
قبل أذان المغرب.. قبل حضور بقية المهنئين في العيد..
"منو يبي كرك؟"
"أنا ٢ كرك بدون سكر.."
"تنسين شي يوم إنش تطلبينه بدون سكر؟"
" تعليق آخر.. انتي خافي من الأملاح اللي في الكرنيشن مو بس السكر..!"
و لم أمرض بأحد منهم.. مرضت بغير ذلك..!
مرضت بالحنين..
أحن وكأن الحنين هو شغلي الشاغل..
أظن لو أعدت الإتصال على المطعم.. لن يسألني بنهاية المكالمة منزل ٤؟"
افتقد صوتي مثلما افتقدته..
العزاء في المكان..
العزاء في تكرار التفاصيل..
العزاء أن تعيش تتردد على مكان الفقد.. تتحسس الألم فتربط الزوايا على قلبك..
"
عسى منزلق ضمّه حقوق الوسم تسقيه
وتضحك ـ له الجنة ـ وهو يضحك حجاجة"
وسم 🌿
