السبت، 11 مايو 2024

صديقاي 🍼🐾

 



سألت الله الخلوة، لكنّي لم أسأله أين؟ 

في خلوة خاصة، هدوء الذهن وصفاء الفكر إلاّ من صوت جهاز التخطيط ورنين المغذي.


أعرف بأنه لا يهدأ بالي أبداً سوى بالقطط أو الأطفال، أجدُ في تلك الأجساد الصغيرة شيء يذّكرني بنفسي، هم لا يقلقونك إلا عند فراغبطونهم!


لم أشهد الفراغ قط في الفترة الماضية، لم أعد أعرفني أبداً، أريد كل شيء ولا أنجز شيء، يترقب العالم قفزّتي إلى القمّة، و أقف أمامهم بلامبالاة معتادة، انضباط الذات لم يعد في قرارة يدّاي سوى مع هؤلاء؛ قططيّ وأي طفل يطلب النجدة منّي أو جزء من سعة وقتي!


عاجزة عن فهم ما يجري، ولكنّ أثق أن بعد هذا السكون نصيب كبير من الإنجاز والانضباط والحزم والعزم، لا أملك الوعود لكنّي على ثقة


هذا سَعْد يبّشرني بالسَعد؛ وأيام بالرخاء ممدودة، ولحظات من الاطمئنان مرصوصة، ومن خير إلى خير.


أجلس في خلوة المشفى موصدة جزءاً من باب الغرفة، ينير ضوء الممر هذه الغرفة المظلمة، أجعل الغرفة ظلاماً لأجل أن يسكن ويستريح هذاالصغير، أتأمل كيف لا حول له ولا قوة وكيف هي رحمتنا به؟ ونحن مثله، كيف نحن لا حول ولا قوة لنا؛ وكيف هي رحمة الله بنا؟


من يعرفني جيداً يعرف القلق الذي في صدري للأماكن العامة، للمشافي، والأماكن المكتظة بالناس، مترفة بالرفاهية، قلقة دونها، تجاوزت.

أو ربّما هي القمة التي قفزت لها دون أن يلحظني أحد!

أعاود زيارته كل يوم أجلس معه بين الأربع إلى ست ساعات، انصت لهدوءه وأتأمل صغره، أجهز رضعته، وأغير ثيابه، بين هذه وتلك بضعصيحات فيهدأ، ومع هذه الزيارات المتكررة لا ألحظ زوايا المشفى المقرفة، ولا بقع المفارش، ولا الستائر الممزقة، ساكنة هادئة مع الصغيرفحسب!

هذا يعني لم أعد مترفة بعد؟ أم هذه القمة التي لم يلحظها أحد؟


مرحلة من عمري، عامٌ مضى يختلف جداً عن ما قد رسمته،  تخيلته، سعيت له!

لكن أجده لطيف، رغم منظره الغير مرتّب، لم يكن يومي سوى ما أريد، أصبح يومي "كما يجب أن يكون" و"كما هو مكتوب"، تمردت أحياناًعلى السلطة، وجدت التيار غير لطيف، ووجدت وجهاً آخر لا يشبهني!


سخّر لي الله بضع أناس لهم كلمات لطيفات، منهم من أسمعوني ومن هم من استرقت السمع عند حديثهم، وجدت أن الموازين في بدايةالأمر انقلبت لأخرى!

من عاقبني اعتذر، ومن قال في تغيّر، ومن ظنّ استدرك فانعطف لمنعطف آخر!


ينصفك الله ويرحمك، يشقيك ليقويك، يرممك ويبنيك حتى يستعملك ولا يستبدلك..


بعد هذا كلّه أعيد؛ أنسي فقط بالقطط والأطفال، لا ظنّ ولا قول ولا قيل، رحمة منّي لهم ورحمة منّهم لي!


استعملنا يا رب حتى نستحق جنتّك التي وعدتنا، "ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود"


ويقول الشاعر؛

"ثم ارتقوا فوق شعاع الشمس كلكم

إلى السماء فأنتم سادة الناسُ"


مستشفى الأحمدي 

May 11, 2024