الجمعة، 31 يوليو 2020

العيد جديد..




بدأ هذا العيد على مهل..
منذ تكبيرات العشر وكل الله أكبر توقظ الحنين الذي يمكث في زاوية القلب..
أنا أدعي بأنه حنين.. هو حزن أتوارى عنه بشتى الصور والأشكال والمسميات..


لم يتغير العيد في ٢٠١٦ م..
لكنه كان فارغا.. مضى على شاكلته التي اعتدت عليها..
زاحمته بانشغالات متعددة..

العيد اليوم .. 
مكانه جديد، وتوقيته جديد، بوجوه جديدة..
 في هذا الصباح عندما القيت السلام، ابتلعت معها غصة..
لم يضي الوقت إلا وقد نالت من وجهي الدموع فاجهشت بالبكاء..
مضى من الوقت خمسة أشهر وبضع أيام .. لم ألتق بأحد قط!

إلى بيتٍ في زاوية أبوحليفة..
كأنك لا تستطيع أن تفصل بين حرارة الصيف ولهيب الغياب..
"بيت أبوحليفة صار ما يصلح نروح له إلا بالشتا"
و كأنه قرار صارم برغبة جماعية لتغيير المكان..
"البيت قديم.. العوازل ما تلحق.. والمكيف ما تلحق!"
و كأن لهيب الفقد يشتعل.. وتلك العوازل لم تفصل بين حرارتين أحدهما في الداخل والأخرى في الخارج..
كانت برداً وسلاما للمكان.. اسكنها الله جنة هي برداً وسلاما..


إلى أمي رفعة..
اليوم كأني ألتقي بوجوه أهلي لأول مرة..
العيد كان بعيداً جداً عن مكانه..
والبيت بقي العزاء الوحيد..
لم أجهش بهذا الكم من الدموع من قبل!
أعلم اليوم أن الروتين الذي كبرت عليه.. وترعرعت في حجره.. هو العزاء ..
الزوايا التي نمرها صباحاً.. نلقي السلام عليها.. تعيد لنا العيد والسلام..

إلى المكان الذي احتضن هذا العيد..
جلست أتأملك تكرارا ومرارا..
"البيت متغير يمه!"
" لا يتراوى لك.."
"بس فيه شي غير..!"
"متى آخر مرة جيتي هني؟؟"
ابتلعت الإجابة.. هربت منها "ما أذكر.. نستني الكورونا كل شي"

أذن العشا.. 
اتجهت للقبلة.. التلفزيون من خلفي.. و المقعد أمامي..
"الله أكبر"
لحظة القبلة مو بهذا الاتجاه وسوم..!
"متى آخر مرة جيتي؟.."
وكأن هذا السؤال يراقبني.. يراقب ردت فعلي.. يريد أن يأخذني بعزلة جديدة..
ابتلعت الإجابة مرة أخرى..


الذي أعرفه في صباح العيد..
يا مرحبا.. 
وأعرف جبينها.. وغطاء وجهها الذي لا يكشف سوى عينيها بكحلها الأسود..
"بترجعين البيت؟"
" لا بقعد.."
"طيب .. روحي البيت بدلي ارتاحي.. وارجعي. المغرب"
" لا باخذ من أمي رفعة نفنوف وبغط شوّي على سريرها"
 
وبعد دراعة العيد.. تأخذ الفكاهة مساحتها..
" بنت عبدالغني شربت.."
" الشريب بزّة"
" وسمية تخرج من البحر..!"
" وحدة من بنات عقاب.."
"رقية ولا سبيكة .."
إجابة واحدة..
 "خززززنة.."


قبل أذان المغرب.. قبل حضور بقية المهنئين في العيد..
"منو يبي كرك؟"
"أنا ٢ كرك بدون سكر.."
"تنسين شي يوم إنش تطلبينه بدون سكر؟"
" تعليق آخر.. انتي خافي من الأملاح اللي في الكرنيشن مو بس السكر..!"

و لم أمرض بأحد منهم.. مرضت بغير ذلك..!
مرضت بالحنين..
أحن وكأن الحنين هو شغلي الشاغل..
أظن لو أعدت الإتصال على المطعم.. لن يسألني بنهاية المكالمة منزل ٤؟"
افتقد صوتي مثلما افتقدته..


العزاء في المكان.. 
العزاء في تكرار التفاصيل..
العزاء أن تعيش تتردد على مكان الفقد.. تتحسس الألم فتربط الزوايا على قلبك..


"
عسى منزلق ضمّه حقوق الوسم تسقيه
وتضحك ـ له الجنة ـ وهو يضحك حجاجة"

وسم 🌿

الخميس، 4 يونيو 2020

تعلمت.. متى أرحل!





الكتابة هي الحل، هكذا تقول أ.سعديه
الكتابة هي لحظة الوعي كما يقول البعض..
والكتابة عندي الخلاص..

"د. سعاد ممكن سؤال أنا مو قادرة أتجاوز الألم"
" انتي تحبين تكتبين.. اكتبيه"



الكتابة هي لحظة تعرّي.. وهذا صحيح!
الكتابة أن أُعرّي ذلك الألم، أفككه إلى شعوره الأولّي..
أكتبه.. أتألم.. أتخلص!
ما زاد من شهية الكتابة سوى الألم..
أنا أباهي بالألم.. هو يصنعني..
الألم .. السَوءَه التي لا أستحي منها!


شاركتني صديقة لحظات حفل زفافها؛ و لصقت بي أمي تنظر
"الله شحلاتكم"
"الله حلو شعور لمّة صديقات العروس وحفاوتهم و خفّة دمهم"
"الله يرزقج"
"لا لا يمّه.. أقصد فرحة مرافقاتها فيها، يعني أنا ارافقها وفرحانة فيها معاهم مو ضدهم.. مو سباق"
"والله مدرى شتقولين يا بنتي، المهم الله يرزقج"..
وتركتني في حيرة هل ذخرت لهذا اليوم هاللّمة ؟


أكتب الآن برجفة ليست تحت السيطرة..
المواجهة دائما و أبداً شرسة.. لكن علّي أن أتخلص، أن أعود لنقطة السلام..
دون هذه اللوعة المتكررة.. عند عودة فلاشات الذاكرة..


هناك مواقف متعددة لم أجد لها تفسير إلا الآن..
في مراحل الصداقة، هناك من يسقط وهناك من يلتقطك من أسفل..
هناك من يقف بالأعلى دائماً ليشدّك إليه.. ليعيدك إلى المرحلة المتزنة..
يعيد نظرك لبعض الأمور..

لحظات الامتنان كثيرة، لكن لأخفف وطأة كل ذلك على نفسي..
أردد هي من حق الصديق على صديقه..

اللوعة مستمرة، وهي تكبح شهية الكتابة لكن علّي أن لا أستجيب لها و أتخلص..

"ألو شلونج؟"
"أهلاً.. أهلاً.."
" أنا مسافرة وودي أوصل لفلانة هديتها، طلبتها بس بخليه يوصلها على بيتكم وعفية انتي دزيها لبيتها"
"وسيم .. ماله داعي هالحركات.. ماله معنى دزيها لها لا رجعتي الديرة"

شكراً لكل جهود التوصيل بمقابل ❤️..
لا أعلم كيف كنت تحت تأثير ذلك الرفض ساعات طويلة!
تعجبت من رفض الأمر!
وصُعِقت من الاستهزاء بالمبادرة!
ما أتذكره هو أنني لم أخطط للهدية لشخص واحد.. هي كان لها نصيب من ذلك أيضاً
اعتدت أن لا أضع شيئاً لصاحب الميلاد .. كنت أجد أن ميلاد شخص واحد فقط في العلاقة هو ميلادنا جميعاً
كنت تحت خطأ الإفراط في المشاركة.. لكنني عدت إلى الرشد.. اتصلت بصانعتها.. "إذا ممكن ألغي الهدية الثانية؟"
"أكيد، تحت أمرك"


اللوعة تزيد، والكتابة مستمرة..
إلا أنني.. سأكتب بعد بضع ساعات..
علّي أن أرفع من طاقتي، و أهدئ من هذه الرعشة المرعبة..
ما أشعر به هو أقرب لحالات الاغماء المفاجئة.. وددت لو يدوّن على ورق..

افترقنا في أكتوبر ٢٠١٥م..
كان هناك قلق مستفحلٌ في جوفها.. عذرتها عليه..
كنت بالمقابل خالية من أي قلق..
كنت أمكث في البيت ساعات طويلة، لم أتمكن من تسجيل ذلك الفصل الدراسي..
كانت قد نسقت لقائنا الأخير..
لم أكن أنا وهي في القضية..
لم أتلفظ بسوى " حصل خير صلو على النبي"
"لوسمحتي .. ما تتدخلين بيني وبين أختي"
السخرية كانت هنا .. من هذا المنطلق..
أنت الشخص الذي تفرقا عليه، فاجتمعا عليه مرة أخرى..

أخذت عبائتي.. بقايا حضوري.. يالله مع السلامة..


الحضور التالي كان مستفزاً جداً.. مارس ٢٠١٦م
"عظم الله أجرج يا حبيبتي.. الله يرحمها ويصبرج يارب"
"الله يجزاج خير.. اللهم آمين"
"أبي أكلمك شوّي اذا ممكن" وحينها كنت في طابور أخذ العزاء..
"تفضلّي.."
" احنا خوات.. وأنا اعتذر.. ونفتح صفحة جديدة.. تذكري إن أنا موجودة"
"يا مرحبا والله .. حياك الله"

كنت تحت تأثير فاجعة.. وكانت هي تلك التي أتت بفاجعة أكبر..
لم يخيل لي أن الناس التي تتعلم منها في طريقك لسلم النجاح.. هم أولئك المتخبطين في حوارات الحياة..
وكنت ممن يتأمل النكتة في وقت قصير.. "يعني ذكي دراسة غبي حياة!"
الحمدلله أنا لا إلى هؤلاء ولا هؤلاء..

كنت في تلك السنة الكبيسة أُكثِر من البقاء في المنزل .. أدّعي الوحدة..
أوّد أن أتأمل اللحظة الكافية للعيش مع الحزن، الألم.. وكل ما يتبعهما..

"يمه، فلانة اعتذرت مني"
"الحمدلله، عساكم ترجع،ن مثل قبل وأحسن.."
"بس ما بادرت بأي شي.. لا اتصال.. لا حضور!"
"ما تدرين عن ظروفها، تدرس، وعلى وجه زواج.. انتي مو بموقفها فاعذريها"

لم أكن أشارك أمي التفاصيل.. إلا حين تحدثت تسأل..
"شخبارها؟" بعض العلاقات عندما تنتهي.. يصر من حولك على السؤال!
"أخبارها؟ .. من زمان ما شفناها!".. هذه الأسئلة التي يترافق معها الشعور بالغثيان..



تركت مساحة الأيام تصلح كل شيء..
فوجئت بأنها تتكئ على الصدفة.. لم تكن قوية بما يكفي لأن تفتح باب.. و تبدأ حواراً ركيكاً حتى  نصل إلى مرحلة ترتيب الحوار ووضع الضماد على الجروح.. على ثقة.. ستصلح الأيام كل شيء!



أجلس في وقت الفراغ الطويل بين محاضراتي خارج أسوار الجامعة.. أتوارى عن أسئلة الزميلات والصخب..
في زاوية القهوة التابعة للجمعية.. حظورها المفاجئ.. ومشيها على استحياء .. أبادر في مجرى الحديث.. تلاحظ جهاز اللابتوب الجديد "ياعيني.. عليج بالعافية" .. و تلاحظ" توقيع مبعثر على ظهر ذلك الجهاز.. " يه يه وسم"
وأنا أحاول.. أن تبدأ وتجري حديثا..
استأذنتني بالجلوس.. "أكيد .. حيّاج"
"تبين شي.. تاكلين شي"..
"لا أنا خالصة وبمشي محاضرتي الساعة ١١ تبدي"..
قبل أن أمضي طلبت double espressos!
وعيناها تسأل "من متى؟"
ابتسم "من زمان"
اتذكر انها لم تقرأ.. كل شيء يجيد العزاء!
كنت أنظر إليها أخشى عليها تساؤلاتها الكثيرة نحوّي..

مايو ٢٠١٦م ..
"يمه.. ألبس نفنوفي الوردي!"
"بتروحين؟"
"بمرها البيت بسلّم عليها.. أبارك لها وأرجع"
"سلمي عليها وباركي لها.."

اسدلت شعري.. تأكدت من وجهي أنني رغم حديث الوجع لا تظهر عليه علامات الشحوب..
لم يأفل وجهي بعد!
أملك القوة في اظهار الفرح.. يقولون فاقد الشيء لا يعطيه..
و اعرف في تلك اللحظة أن فاقد الشيء يعطيه وبشدّة..

دخلت عليها بالزغاريد..
أخذت تستجمع قواها.. تتحمل غصة وعبرة اللحظة..
بريق العينان أخذ ينضح..
الأبيض فستانها..
وأكملت معها الطريق لتأخذ حليها.. عطرها.. وتكمل استعدادها..
يالله صورة..
كنت معها.. ولكن بعيدة عنها..
لم أفهم أن أوضع لموضع القريب..
وأنا اشعر بشعور الغريب..
"اذا بتمشين.. امشي من صوب واحد.. ركزي على جهة وحدة.."
كانت تتمعن بشششدة وتنصت " ايه ايه وشنو بعد" .." امشي جذي زين ؟"
"المكان اذا قصير عدي لي العشرة واخذي خطوة وحدة.. برجل وحدة.. بعدين حركي الثانية"
"اوكي شوفي.. جذي زين؟"
و إلى اللقاء..


ديسمبر ٢٠١٦م ..
رسالة بموعد منها.. لوضع النقاط على الحروف في هذه المرة..
أشارك صديقتي الأخرى الرسالة..
كانت تجلس منهكة.. أخذ الحزن محلّه من قلبها أيضاً.. فقدت حباً قريباً لقلبها في ديسمبر من ذلك العام..
هي ثالثة في العلاقة .. فاقدة للعلاقة أيضاً..
"فلانة تبي تكلمني.."
" ما أوصيج.. كوني هادية واسمحي للموضوع يأخذ مجراه"
" يارب أقدر".. "أهم شي ما تندفعين، عطي اللي أمامج فرصة"

انهينا محاضرتنا سويا.. وأخذنا نمشي إلى مقاعد في نهاية الجامعة..
المضحك.. كنّا نتشارك مقرر لفصل دراسي كامل.. كان لديها عذرها بالتأكيد..
بدأنا بالحديث.. حاولت ترتيب بعثرتها.. أخذنا الوقت من الساعة الرابعة وحتى الثامنة..
عادت كل منا إلى البيت بفألٍ جديد حسن..
لم يكن اعتذارها عن الخطأ..
كان الاعتذار عن انها لم تجد الوقت المناسب..
ولم تكن قريبة لتبرئ الجرح!
"حصل خير.. بس ترى إنسانة جديدة.. "
"كلّي شوق .. لكل شيء جديد"


ليلة رأس السنة أمضيناه جميعا حول ثالثتنا..
اليوم أنا ابتلع الغصة.. وأفهم الغرض من الرغبة في الصلح.. والرغبة في أن نعود..


تبادل الحديث.. وتبادل المعايدات .. التهنئات..
الحديث الطويل برسمية تارة وتارةً بسخرية أكبر..
التفاصيل طويلة.. طويلة جداً.. بين مبروك التخرج، ومبروك ما جبتي..


"وسوم.. ترا أختي تغيرت حيل ... بعد ما صارت أم.. بس أحنا اكتشفنا انها تسوي نفسها فاهمة و قوية وعارفة كل شي وإهي ماتعرف شي!"
"عسى من خير إلى خير يارب .. أهم شي تهدأ نفوسكم.."
هنا أضع يدي على فراغها الآخر..
وضعت قناعها عليه..
أو تشتد أنيابها عند المضي من جانبه..



إلى أن وصلنا للسباق..
سباق المكانة.. لا أعرف خط النهاية.. ولا أعرف الجائزة بعدها!


في سبتمبر ٢٠١٩م ..
"يمّه، أحتاج أسوي عشا في البيت.. استجمع فيه قوّتي.. أثبت فيه إن كل شيء على مايرام.. أحتاج أوضّح إحنا مو بمنافسة.. ما أحب أنافس أحد..شعور السباق في العلاقات يقلقني"
"كل اللي تحتاجينه.. تنامين وتقومين وتروحين الجامعة و ما يدور تفكيرج إلا فيها.. لي حق أفرح أكثر من إن لج حق تصلحين أمور ثانوية.. ترى إنتي آخر همها.. وكل شخص مشغول في حياته الشخصية.."
"بس اللي بيننا عمر.. أبوي يسأل شخبارها.. خالتي تسأل شخبارها.. الأمر معقد"
"إنتي بس تشوفينه معقد.. هذي بس أشياء تجي وتشتت تفكيرج عن الهدف الأساسي بالحياة.. إلى متى بتذبذبين ؟
أو تعيشين تثبتين؟"
"شلون أتجاوز؟.. هذا عمر مو يوم أو يومين.. "
"ممكن ما يدور في ذهنج إلا شي واحد.. فرحتي يا بنتي فرحتي"




أتذكر إصرار أحدهم.. إذا كنت توّد بقاء العلاقة بادر..
إني أملك شجاعة كبيرة في الشعور في المبادرة.. لا أجد في ذلك الأمر ما ينقص من نفسي شيئا.. أو كفاءتي شيئا..
دائما ما كنت أخشى على قلبي من نفسي.. أوّد التخلص من كل شيء.. من كل شيء.. من التفكير المفرط..
"أهلا.. ومرحباً.. كيف حالج؟"
"هلا وغلا.. إلى نهاية المحادثة" .. لم افقه من قبل قناع الأصوات..
"أخبارك بعد ازعاج ذاك اليوم.. واليوم الطويل..؟"
"الحمدلله.. انتي إنتي أخبارك شنو مسويه؟".. أفهم الأسئلة أنها تدار وأفهم التخلص من السؤال..
"أنا متصلة اسال واعرف اخبارج"
"طيبة .. ايه قوليلي شلونج.. وشلون أمورك..".. للفضول أنواع لا أشتهي أن أعرفهم.. أعلم فقط كان ذلك الشعور أخبثهم!
" أبد حبيت أسلم وأسأل عنج.. مع السلامة وسلمي على اللي عندج.."
" ما عندي أحد.. مع السلامة"
أتذكر قول أحدهم " ترى السوالف توافيق.. يعني السوالف رزق مثل ما إن كثير أشياء رزق"
و الرد والبدل الحسن رزق..



بادرت ورحلت.. والرحيل مقرون دائماً عندي بقول أحدهم "أخرج مرفوع الرأس"
وتذكرت اليد العليا في الختام..
و غسلت عن روحي حديث المبادرة..
علي الأقل انتصرت على نفسي وقلبي..
مررت الأيام لا أود سماع خبر منها أو عنها..
وجدت نفسي اتردد بأمر.. حتى فعلته..
يخالطني شعوري دائما.. لماذا هناك قدسية للأجهزة وبرامجها..
لا أفهم كيف أن لا يكون لشخص محل في قلبي..
وفي نفس الوقت.. في محل من ذاكرة يومياتي وصفحاتي الخاصة على الإنترنت؟
ماذا نحتاج من علاقات فرغنا منها؟
الكرسي المكسورة رجله لا يصلح للجلوس..!
كل الأيام كانت تتسارع تضمد الجرح..
أتذكر ذلك الشخص الذي تحدث عن الخروج من العلاقة..
و يقول "لا يلدغ المرء من الجحر مرتين.. بل أكثر" .. أحب أن أضيف له..
لا يلدغ المرء من الجحر وصاحبه فحسب.. بل و أهله"
بدأت هذا العام بنص قصيدة.. وكنت في وجهة بعيدة.. كانت المشاعر دافئة جدا وكانت ابتسامتي على وجهي أجمل.. فالتقطت صورة.. اللحظة فيها أجمل من كل شيء..
لفت في ذهني أنها مازالت من ضمن القائمة .. تسارعت أصابعي لحظرها من كل الجهات.. وشعرت بأني أطفأت ناراً موقدة.. كنت أسير خفيفة.. كنت أطير.. كان يزأر أخي" أووووووش صوووتش!"
و أضع وشاحي الصوف على وجهي.. أخفي بقية الضحك.. أخفي فكاهات الانتصار..
سعيدة جدا بأني أتخلص.. أتخلص بالوقت المناسب أو بعد حين .. المهم أن أتخلص!
حديث نفسي اليوم..
"طيب اللي خلّاها على بالج؟"
"ميلادها.. يعني على بالج؟.."
"نو نو بس يعني مو بسرعة أتخلص .. يعني عمر وسنين الواحد ما يكذب .. الموضوع مو جك بوووم"
"يعني تقولين كل عام وانتي بخير بطريقة أخرى"
"يعني كل عام وهي بعيد.. بعيداً جداً وهي بخير.."


نصيحتي.. التي سأكتبها لنفسي.. لبنتي.. لأي شخص عابر..
لا تتمسكون بشخص تحدث معكم بنبرة حدة في يوم ما.. لا تفتحون أبوابكم كاملة..
خذو الحذر دائما.. قد لا أكون منصفة.. و قد لا أظهر مسالمة..
لكن لكل فعل رد فعل، بمقدار ١٥ او ١٦ عام وبضع سنوات من الطفولة وحق الجار!

رسالة إلى ميس
" أخذي صديقة تضحكّج.. ما تاخذ الدنيا على محمل الجد.. علشان ما تضحك عليج..
العلاقة إللي فيها شعور المنافسة اهربي منها..
اضربيها بعرض الحيط..
انتصري لنفسج.. لهدوئج .. لفضائج المسالم
لا تقبلين الاعتذار المتأخر..
الترحيب في وقت الصدفة واللي تردفه عبارة والله على بالي بس ظروف..
لا تقبلينه.. لا تسمعينه..
لا تقبلين بصداقة ما عندها ارتجال.. لا ترضين بصداقة تفكر شبتقول..
تمسكي باللي قلبه على لسانه.. "ما يتلهم الكلمة"
ميس.. كلام أمك حلق بإذنك ..
لأن كل شي كذب إلا كلام أمي"


و مثل ما يقول الشاعر..
"لا صرت ما تضمن قلوب الأصاحيب
جنّـــــب قــــبل تلفي عليــك الفشايـل"






الأربعاء، 8 يناير 2020

2020



أقف على ناصية الحلم.. ولا أقاتل
شعور نهاية العام الماضي حين كنت في ليلة السنة الجديدة أجلس مع أمي وتعلق على ما ترَ في التلفاز..
لا ابتهج في الاحتفال  ولا أفهم شعور من يصنعه!
أردفت قائلة أنا لا أجرؤ على الاحتفال!

تعجبت من حشرجة صوتي وتعابير وجهي..
عن أي جرأة أتحدث؟
أتحدث عن النقطة التي أقف عليها منذ سنوات ولم أتجاوزها..
أنا عند تلك النقطة من عامٍ وعامين وثلاثة..
"بيسوي لش الله يا بنتي"
لم أشهد العد التنازلي..
"تصبحين على خير"
وآخر ما شاهدت هو ١١:٣٠ مساءً
و أخذت وسادتي تشرب العبرات..

كنت أقف في ٢٠١٩ بمظهرٍ صلب لا يعكس باطنه..
بدأت تلك السنة وأنا في صورة الوجل والخوف والذهاب والإياب..
في العامين السابقين لها كنت بين وعكة صحية ونزلة معوية واضطرابات هضم وتشنج بالأعصاب
وفقر دم وقلة تغذية وما يلازمهم من أذى نفسي..

كان وجه أمي شاحباً وهو ينظر لطفلة أخذت تكبر عمراً وتضمحل بهجةً..

ولكن في بداية كل عام يأخذ يناير مجالاً واسعاً لينعشني بالدهشة..
ولا أخفي عنكم صانعها..
أبي يوقد زوايا مظلمة.. ويتلعثم في المسميات ليحدث الضحك والثرثرة والجدال على التصحيح..
يأخذنا إلى رحلاتنا الطويلة و يشغلني بالاستعداد لها..
يقف بين كل لحظة وأخرى .. " جالكسي" يتصنع بها طريقة لفظي..
ويردف للصغيرة "فشفشينو؟" ونحن "فرابتشينو" بصوت جماعي
يكسر جو الصباح ب "الهمام .. ويالله اخلصو"
وأقف في زاوية التأمل .. يناير الصفحة الجديدة لانجازات وأهداف وتسليم ونتائج و....
٥٠ كتاب في عام
فكرة لمشروع التخرج
إنهاء جلسات العلاج الطبيعي
الإلتزام بالعلاج المكتوب
كوبان قهوة في اليوم فقط..
كاكاو أقل..
نظام غذائي صحي متوازن..
الركض في صباح الجمعة
سلام داخلي .. خوف أقل.. نهاية أرق
وتطول القائمة ..

لم تكن القائمة طويلة من صنعي..
ولم أر أنها كانت تكفي لذلك العام..
وجدت أنها قائمة بالفراغات الموجودة فيني لأقف صحيحة النفس والبدن لأكتب قائمة لأهداف أوّد تحقيقها..
وأحِب تحقيقها أولاً وآخراً ..



بعد الدهشة من يناير..
مرّ الربع الأول من العام في دهشة مستمرة..
عقل غير هادئ.. وقلب على وجل مستمر..
أقف وأتذكر ما قلته لأمي" أنا عند نفس النقطة"
ولم أكن أقف عندها.. إني قد خسرت النقطة أصلا..
لم تكن العبارات التي تستند عليها بسيطة..
ولم يكن اليقين ضئيل .. ولم أكن في شكٍ  منها ..
كنت أبصر الكبوات الأولى تلو الأخرى..
ويقف وجه أمي بارداً هذه المرة غير شاحب مثل ما سلف!


عقل غير هادئ.. مر ذلك العام..
انتصف العام وعجّل الله لي الإنصاف..
يريد الله بي اليسر ولا يريد بي العسر..
عند تلك النقطة التي أحسبها عند الله مما ثقّل موازيني..
عند تلك النقطة.. سقط البنيان المتهالك..
وسخر الله له أرضاً صلبة يقف عليها جديدا من جديد..
ينتشل منه هشاشة الخوف والوجل والذعر والخجل الدائم..

في ذلك العقل الغير هادئ..
انبتت سبع سنابل.. في كل سنبلة مئة حبة..
الأولى " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم"
كل عمل هو أمام الله .. وكل جهد هو أمام الله.. وكل سعي هو لله..
الثانية إن مع العسر يسرا.. إن مع العسر يسرا


تتجدد الروح بعد أن يفتح الله باباً كنت أحسبه من شدة اليأس بم يخلق بمفتاح!
تترتب الروح عند شعيرة انتصف بها العام..
استعداد روحانّي عالٍ.. وما كنت لأستعد لولا أن مكّنيّ الله..
صحائف تفتح وعام حقيقي يُكتب ..فتذكرت وذّكرت بسنبلةٍ ثالثة.. "إن الله قد كتب الإحسان على كل شيء .."
النوايا.. الأعمال.. العلاقات..
ما إن انقضى الثلث الثاني من العام.. حتى كتبت سنبلة رابعة.. "من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعها .. "وفطور عيد يرد النور لوجه أمي..
مازالت تفاصيل العام في الذاكرة..
فاطمة التي على وجل بشأني دائماً .. تحدّثني بزهو عن ثاني العيد وكيف هي بهجتها حين يكون خاصاً لها ولقلبها ولبيتها..
يقف أبي يصور وتعلق صديقتي "دام الوالد يصور فهذا صك جودة"

نعود لترميم ماتبقي من هذا المكان..البيت أقصد
تعيد أمي طلاء جدران تصدّعت من سماع أنين مستمر..
غلّفت المكان بالأبيض..
وأصبح الجميع ملاصقاً للأبيض..
أخذت بداية آب على محمل البهجة والفرح..
مر لم أعتب وأجدد وأكتب..
وسطرت " على لهيب آب أمر غيمة وعن لهيب الحنين ما لقيت لي فيّ"

وسنبلة خامسة .. "ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب إليه من حبل الوريد".. فيتلاشى الحنين إلى يقين..
الحنين الملاصق لروح قد انتعشت بشعور غريب.. وأخذت ترسم لها حلماً ملاصقاً لهذا الشعور..
تبقيها في دائرة الأمان والتخدير لما تشعر به من أمور مستحدثة وقد تثير الخوف والجزع من جديد..


لم يمر آب عابراً أبداً..
 ولم يمر حائراً.. خُتِم بسنبلةٍ سادسة..
"يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور"
لم تنبت تبك السنبلة سريعاً .. إلا بعد سؤال وعجب..
: أنا ما استحق هذا..
: بس الله سبحانه وتعالى يبي يمحص الناس إلّي حولج.. ويبي لج صفوتهم... الناس مو خالين وعسى أن تكرهو شيئاً وهو خير لكم..!

آب اختلط بأيلول ..
الخريف كان مبكراً ذلك العام ..
كنت انتظر أيلول بفارغ الصبر في أوّل العام..
وكنت أريد أن أهرب عند اقترابه..
انتصف أيلول أكمل ما تبقي من نواقص لهذا المكان الواسع وأخطط مع أمي..
أُعجّل من تمهلها المقلق.. و أقلق بطئها لتكمل ولتتم أمورها..


أيلول يمشي ببطئ ولا أتمهل.. ألهث حتى أتجاوزه..
أقف على فرحة مرسومة.. صديقتي عروس
عقل غير هادئ..
ستودع مكانها وتحزم حقائبها ولم أكن أنظر للأمر بزاوية تقليدية..
كنت أتشبث بالقاع حين السجود الحمدلله أن لم يحبسني حابس عن هذه الفرحة..
كنت هنا بحق موجودة..
الحمدلله أن أراني يوماً كهذا وثبتني لأحسن نبضات القلق..
دقات القلق المسموعة في أذني والتي تقرع في قلبي..
ابتهجت كأن لم ابتهج من قبل..
ودوّنت على صورة "مشاعرنا أجمل من ملامحنا"
إلى سبتمبر آخر ببهجة أكبر يارب ..



سنبلة سابعة هي ختاماً
"ولا تصعّر خدّك للناس ولا تمشِ في الأرضِ مرحاً إن الله لا يحب كل مختالٍ فخور"
 فأنبتت سنبلة على وجهي وهيئتي وقلبي "واقصد في مشيك واغضض من صوتك"

إلى أن دوّنت رسالة ال١٥ من أكتوبر
استجمعت فيها كل ما أشعر وشبهتها بثلاث صور لميس
صديقتي..
هذه ثلاث صور من ٢٠١٧ حتى اليوم
هذه صورتي اليوم هي تمثلني بحق..
أنا لا أمسك بيدي سوى الورد..
ولا أجيد أن أصنع إلا شيئاً طيباً..
أأخذ أصور لأبي بشارات متتالية..
ولم يقف إنذار هاتفي برسائل متتالية أودع في حسابك ..

الشعور ظهر على سطح الوجه واتضح في العمل ..
تحدّثني أ. زهرة حين خطفت سريعة من أمامها بابتسامة لم اصطنعها ولم ألحظ مراقبتها لي..
" your face was bright.. I am glad ..  you were happy Alhamdullelah “


التردد أخذ مجاله في نهاية العام ..
وفي نهاية العام أخذت استجمع ما أفهم في العلاقات..
الإحسان أولاً
هي أمام الله ثانياً
ثالثاً .. إن لم تجد للإحسان أهل..
فأنت أهل لأن "تخرج من العلاقة مرفوع الرأس"
وأتذكر وأحتسب أني قد كنت يداً عليا إلى النهاية..
وأتذكر وأحتسب أن المبادرة هي من صلاح قلب ورفعة روح..
و أتذكر وأحتسب "إن ذلك من عزم الأمور"
و علقت " الأمور الي اتردد فيها .. بدّها"
ما إن تمت علاقة إلا وأحيا الله علاقات طيبة فيه وحدة.. تسندك تؤازرك.. ترفع منك.. وتزيل عنك..
تخطط وتكتب وتستعد لتبتهج.. أنت

لم يمر العام عابراً .. مرّ زاهراً..
لم أزل امتن للحظات متفرقة..
وللكبوات على وجهٍ أخص ..
أخطائي وعثراتي وروعاتي..
التي أسأل الله أن يأمنّي فيها ويأمني منها..
وأتذكر آخراً .. "كل ما تمرين فيه تستحقينه.. وانتي افهم مني بهالأمور"

وفي نهاية ٢٠١٩
أحزم حقيبة أرتب بها أثقل الملابس..
وكنت أعلم أن المشاعر كفيلة بالشعور الدافئ..
كافية لأن تغمرني فأحسن توديع كبواتي..
وأفهم عمق الخسائر..
وأتخلص من تعلق زائل لم يبقَ منه سوى الحنين..
الذي استودعه بين يدي الله يدبره كيف يشاء..

آمن روعاتي ، وأستر عوراتي.. وقوّني حيث إني بقوتك وجهاً لوجه لما أواجه ..

وسم ٢٠٢٠
تلك النقطة ليست على السطر..
تلاشت.. في قائمة الأهداف أهداف حقيقية.."ولتصنع على عيني"
في قائمة المشاعر.. النهوض من العثرة جميل جداً .. مرح.. والبهجة بعدها أجمل أجمل أجمل ..

والحمدلله من قبلً ومن بعد 🧸💘