الأحد، 14 أكتوبر 2018

إيمان.. سلوان لا نسيان




إذا أحب الله عبداً من عباده سخر له من يدعو له في حياته وبعد مماته..
لعّل في هذه العبارة العزاء الكبير.. والرجاء الوفير..

في الخميس الماضي الموافق الحادي عشر من أكتوبر .. الأول من صفر 1440 هـ رحلت إحدى طالبات الهندسة والبترول عن عامها الدراسي الثالث وعن شبابها الزاهّي الزاهر.. 
رحلت باكراً لعّل الله قد خصّها بشأن عظيم، ورحيل كريم.
لعّل عزاء والديها.. إخوتها.. أهلها.. وصديقاتها.. أن الملائكة قد بسطت لها أجنحتها، وقد غسلتها وكفنتها وشيّعتها..


القضية هنا.. أن إيمان الضحية المتكررة للإهمال!
القضية هنا.. أن إيمان هي النتيجة التي نعرفها عندما نعبر بين الجهة والأخرى شاهدين على التهور واللامبالاة ..
إيمان قضية إهمال ..إيمان قضية مسؤولية ..


القدر لا يكون مبرراً للحديث عن الخطأ والقضية !
إيمان كان هذا قدرها.. وهذا اختيار لها !
ماذا عن المسؤول المهمل .. أ كان من قدره الإهمال ؟

بعد السعي المتعب تتشكل اللوحة في العودة للبيت بهذا الشعور ..
يبحث كل منا عن مفتاح مركبته، يأخذ الطريق إلى البوابة الرئيسية ويقف ينظر أحد المركبات أن تقف..
يبدأ كل منّا ينظر.. وإن كان المعظم "نفسي نفسي" والأغلب يسير غير مباليا بالراغبيبن بالعبور .. ينزل أحدنا إحدى قدميه مجبراً القادم بالوقوف..
كل صبح وكل مساء نشاهد المركبات المختلفة الصغيرة الكبيرة .. بقائد حقيقي أو غير ذلك ..
وبعدها نستدرك الأمر أخلاق !
الأولوية للقادم من جهة اليسار لا نجدها.. حق المشاة ليس بقواميسهم !

إيمان كانت تأخذ الطريق للبيت بأقل من هذا القلق بكثير، كانت تسير مساءً وهنا الألم الكبير !
إيمان كانت قد أزاحة عن منكبيها انهاك الإسبوع السابق واستعدادها لشحن طاقتها وحيويتها في عطلة نهاية الأسبوع.. لكنها لم تدرك أنّها النهاية..

إيمان لم تمر على متهورين.. وعلى صرخات سياراتهم!
إنها قد مرّت مساءً .. أخذت الطريق بعد التقاطع الموحش إلى سكّة أكثر وحشة منه..
الذي يمر بمركبته مساءّ هناك يجبر نفسه أن يرفع من إنارتها قليلاَ.. الرؤية غير واضحة!
والذي يسير على قدميه من هناك مجبور على أن يحيد عن الرصيف بقليل ويأخذ من حق الشارع.. وهو على وجل..
الطريق من و إلى الجامعة غير معبّد ..

رحمةً من الله إحتسابنا لأجنحةٍ توضع في طريقنا!
ورحمة من الله أن هذا الطريق سعياً في سبيل الله ..

أأمل أن القضية الأولى اتضحت لو بقليل!

الشعور مبكّي ..
الألم شديد..إذا استحضرنا أمها وأهل بيتها!
الألم شديد ..إذا استحضرنا كسر والدها!
الألم شديد إذا استحضرنا للوعة إخوتها !
الألم مرّ وشديد إذا استحضرنا ذهول قريناتها.. صديقاتها!

لم أجد المستحضرين .. قليل من المتأثرين!
لم أجد العصاميين.. لم أجد المعلمين!
لم أجد وقفة حق هذا الصباح..!
سقف المطالبات قد ارتفع للخيال ..مرددين حتى لا نفقد إيمان مرة أخرى!
فالمحزن إن وجدنا أنها وسيلة.. والمعزّي أنها ستحفظ بروحها أرواح الآخرين..
إيمان رحلت ب"كمن أحيا الناس جميعا" 
إيمان رحلت تشهد لها مقاعدنا.. ممراتنا.. والرصيف الذي تبعثرت بقايا أعمالها عليه!

لو لم يكن حب الله لها كبيراً لما عرفت عن رحيلها في خير بقاع الله.. فكنت أجهش بالبكاء مرددة "الي خايفين منه صار"
عزائي هناك أنني قد دعوت في أشواطي كلّها أن يرفع عنها حين كان الكل يسأل عن فصائل دم مناسبة!
نمت فصحوت على إعلان وفاتها.. استحضرت المكان الكريم واليوم الفضيل ..
ساعة الإستجابة ستكون مسخرة لها!
الإدراك لم يكن كاملاً.. الصدمة هي التي على رأس الموضوع!

نزلنا لصلاة الجمعة .. ردد الخطيب خطبته.."العمر قصير"
استشعرت تسخير الله الأسباب لك ليهوّن عليك ويمسح على قلبك!
أخذت بالاستماع..
وحين فرغنا من الصلاة نودِي للصلاة على الأموات..
صلّيت على الميت صلاةً على إيمان ..
ودعوت للميت دعوة لإيمان ..
لأن إيمانها لم يكن قاصراً.. ووجهها لم يكن عابساً .. وسعيها لم يكن مرائياً.. رحلت بضجيج المشاريع الخيرية والدعوات الكبيرة المتصاعدة..

هنا تقف القضية الثانية..

أما الثالثة ؟
فلم يقف لها معلمي صباحاً..
ولم يستحضر أجنحةً شيعتها من هذا الصرح الأكاديمي المحزن!
لم يقف يستشعر..
ولم يقف معزياً..
وقد لا يعرف المعظم منهم ذلك!

استحضر موقف أ.د.حمود القشعان حين وقف لزميلة الذي وافقته المنية في ساعة المحاضرة !
أليس لنا في معلمي الهندسة أستاذاً يشير إلى قضية!
أليس لنا فيهم أباً يقف بجوار مشاعر من رحلت صغيرته.. فلّذة كبده!
عجب على عجب..

القضية الأخرى ..
مررت بطريق إيمان .. ولم تمر مركبة على هونها !

اللهم إن إيمان في ذمتك .. وحبل جوارك.. فقها من فتنة القبر وعذاب النار..
اللهم ليّن ترابها.. وهوّن حسابها.. وارفع درجتها..
اللهم واجعل علمها وسعيها.. وجدّها واجتهادها نوراً يضيء عتمة القبر.. وطيباً يطيب مضجعها..
اللهم ويمّن كتابها.. وهوّن حسابها..وارفع درجتها..
اللهم عوّض شبابها في الجنة..
اللهم اجعلها في عليين..
اللهم آمين.. آمين..آمين..
اللهم وأمسح على قلب أمها..اللهم واجبر فقد أبيها واخوتها وأهلها ..
اللهم سلوان لقلوبهم لا نسيان ..إنك القادر على كل شيء..

وسم 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق