نحن ننهض من الهزائم إلى الانتصارات، والحياة صراع بين هذه وتلك!
ولكن، أين منّا الفطنة؟
متى نعرف معطيات الهزيمة؟ ومتى نرى مؤشرات الانتصار؟
هل نحمل الدروس بين طيّات قلوبنا؟ أم علينا أن نستحضرها بعد هزيمة أخرى؟
قيل، إننا نتاج خيباتنا، خلواتنا، وخسائرنا!
ولكن كيف ننجو مرة أخرى؟ وكيف نمنع المرَةَ الأخرى؟
هل يلدغ المرء من الجحر مرتين؟ أم أكثر؟
هل كل تلك الخيبات هي رحلة لأفضل نسخة منّا؟ وإلى أي نسخه؟ وكم نسخة؟
تساؤلاتي كثيرة!
أرغب أن اتخلص من لوعة القلب، وتشتت العقل!
ورغبتي المستمرة في أن أدس رأسي في حجر السكينة!
وجدت نفسي في ميدان يتساءل دائما؟؟
اسم معلم أثر فيك، معلمتك التي ألهمتك؟
أشعر بالعجز!.. كلّهم.. معظمهم.. جميعهم.. كل من حظيت بمعرفتها وأخذت من علمها!
واستنفدت صبرها :)
أعرف جيداً، أنني ممن حظيت بشعبية طيبة في المدرسة، وسمعة حسنة كذلك..
كنت ممن يسعين للمدرسة بحُبّ وشغف ونشاط!
يسألن بفرح ولهفة، ويغنين بين الحصة والأخرى!
يكتبن بسرعة البرق، ويتخاطفن النجوم، ويجاهدن أنفسهم للصدارة!
قد عشت في كنف الدلال المزدوج، في البيت والمدرسة، والجدّة والعائلة!
أعرف كيف يُصّب الحب في جوف المرء صبّاً ليزهر بأجمل ما فيه!
و أعرف كيف للحب أن يجبر الكسر، ويعمي الحسد، ويصمت الشكوى والتذمر!
أعرف أيضاً أن الصخب في المدرسة والفصول، تعني عقولاً نيّرة وقلوباً خفيفة..
كنت أسعى بين معلماتي ضاحكة مستبشرة، وتشير إحداهن:
" هي لسى طفلة، ما عليكم من الطول!" “Believe me she is still a child” - miss Suzan!
"شكرا على كلام الحب في الwriting يا وسميه، أنا عرفت خطك والورقة لفّت على القسم كلّه" -أبلة روضة
"كل يوم أخذي القرآن في الاذاعة، نبدي اليوم بصوتك" - أبلة مريم
" وسميه بتحكي كثير بالحصة، وبتتحرك كثير بس إذنها معي، بس إسألها فوراً بتجاوب!" - أبلة خولة
" وسميه لك مستقبل في النقد والبلاغة" - أبلة عذبية
" مين اللي بيسأل السؤال ده، أنتِ يا وسميه؟ إحنا اللي المفروض نسألأك!!" - أبلة حنان
"وسميه التقويم أي صفحة؟" - أبلة ياسمين تحاول إجباري نطق رقم 4
"وسميه دي بيّضت وشي قدام المديرة" - أبلة سماح
" ماشاء الله أبلة سماح أنتِ عندك سيبويه بالصف!" - مديرة المدرسة أبلة خديجة!
"بكرا تمرّي الإذاعة تزبطينا تعملي البرنامج قبل لا تبتدي محاضراتك.. فاهمة؟" - أبلة منال
" أنت يا وسميه تدخلي آداب عربي ليه؟ ليه." اتساءل اليوم ليه لا؟
ختاماً نوالي، أبله نوال العبيدان جاءتني " وسميه أول ما وصلت مصر وذبحني البرد لبست جاكيتي وحطيت ايدي بمخباتي شنو لقيت؟لقيت ورقة الموضوع "تعبير اللغة العربية" اللي عطيتيني إياه ما قريتيه بالحصة! قعدت أقراه في مصر"!
لم أكن أنا من كتبته.. لكنها ذكرتني..
كان كل ذلك حب، وكانت يداي منعمتان في ذلك اللطف والألفة، أحدّثكم عن الحب الغير مشروط، من يحبوه لذاته، لنفسه!..
رغم كل المصاعب التي يصنعها!
هناك شوك يشاك به من يحظى بكم الدلال الهائل، يحمله ذلك الذي لم يعرفه، لأنه بكل يسر لم يقدّمه ولم يسمح بأن يأخذه!
على الرغم من الحديقة الغناء التي أتأرجح بها، إلا أنني وجدتها شائكة مؤلمة!
لم تنفك من عقلي وذهني، يعيد عقلي تذكر الأحداث في المواطن المشابهة لها، لكّني بعد كل الشوك الذي حصدته في تلك الحديقة، قد علمت أثره جيداً وتحققت من ضماده جيداً، وسعيت إلى طريق بعيد منّه كل البعد!!
يعود بي الطريق إلى المدرسة، أقف على وجل! أتردد دائماً أأخذ الخطوة وأعود خطوتين!
لم يحضرني حديث معلماتي أبداً، لم أشهد سوى وجه واحد فقط!
الوجه الذي أغاضني، هزّ بجذعي، فأربك داخلي ولم يشعر بتلك الفوضى التي صنعها!
تساءلت أحد زميلاتي في السننة الماضية في ورشة عمل، من منكن واجهت تنمر في حياتها؟
كان السؤال للطالبات، واجلس في نهاية ذلك الصف، فرفعت يدي على استحياء - وأنا معلمة-
" كنت طالبة متفوقة في الصف الععاشر، متميزة ومميزة! تعثرت بعد ان خضت تجربة الحادي عشر وكانت أصعب مرحلة في عمري، وأخذت الرجفة في صوتي تتضح، و أردفت قائلة " قد يكون معلمك عون، وقد يكون الذي تقابله أحياناً لا يصل إلى معنى المعلم ورسالته السامية، المعلم قد يخطئ وعليك الوقوف بوجه ذلك الخطأ لا الشخص، أن لا يكرر عليك الموقف المؤذي أبداً، التنمر غير مقبول لا من كبير ولا من صغير ولا من مسؤول!
علينا حماية مشاعرنا، أوّل ما تعينت -وأشرت إلى الباب- كل مادخلت من باب المدرسة أرى معلمة في وجهي، أخشى أن أشبهها
التنمر ليس بالضرورة أن يكون لديك إختلاف في اللون، أو الطول، أو الوزن، الصوت..
قد يفوتنا أنفسنا،و أرواحنا، ثقتنا وصلابتنا، بشاشتنا وفألأنا، والحب الذي نحمله لمن حولنا.. إذا أخطأتن كنّ شجاعات في الاعتذار وإذا أخطئ عليكنّ كن شجاعات في المواجهة.. وشكراً"
أجل، قد نواجه التنمر لفألنا الحسن، ولنظرتنا للجانب المملوء، قد نواجه التنمر لثقتنا الجميلة التي لا تصل بعد المديح إلى الكبر ولا تسقط من دونه، قد نواجهه أيضاً، لمبادرتك المستمرة التي يزعمون إنها رياء ساعية بها إلى السمعة والمديح! التنمر
ختاماً: يقتات المتنمر على ماينقصه، يحاول أن يشوّهه ويمزّقه، أأخذ خطواتي كل يوم للمدرسة، أتمتم أذكار الصباح وأدعو بعدها..
"اجعلنا مفاتيح خير ومغاليق شر، اعنّا ولا تعنّ علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، واهدنا ويسّرالهدى إلينا، ربّي اجعلني لك ذكّارا، لك شكّارا لك مخبتاً منيباً توابا.. ربّي تقبل توبتي و اجب دعوتي،واغسل حوبتي وتجاوز عن سيئتي واسلل سخيمة صدري.."
عادت إلى ذاكرتي داخل أسوار المدرسة بضع من القصص التي واجهتها، وتعجبت كيف لي أن واجهتها بقلبٍ هيّنٍ وعودٍ ليّن!
فكانت حيلتي " مما برجع لأنيسة"، أخذت أمي الطريق للمدرسة ذهبت هي ولم أذهب، أجبت تعجبها وقلقها " أحتاج أفتح صفحة جديدة وأركز واستعيد قوتي، وعزمي، وتفوقي"
جاءني اتصال "الاختيار الحر مو موجود في أنيسة.." .. خيبة!
لم يشاء الله هذا التغيير، أخذت على مضض أذهب للمدرسة، أضع كل كتبي في الدرج وأعود خالية الوفاض!
وفي يوم دخلت المدرسة صباحاً بكوب قهوة ومذكرة صغيرة، وإذا بصوت حازم ومستاء من كم اللامبالاة التي تشهدها كل صباح!
"وين داشه وسميه؟؟"، وهي تلك التي وجدتني أبحث عن كتاب في مخزن المدرسة، تساءلت بسكينة تامة توّد أن تفجّر في هذا القلب البارد الحماس النائم، وتجبر عزمه المكسور..!
"وسميه منو مضايقك؟ ليش بتنتقلين؟"
"ما فيني شي!"
" في أحد مزعلك؟ متضتيقة من شي؟"
"لاشيئ"
ذات ال16 عاماً تسألها من تفوقها بالعلم والمنصب.. كان قلبي يردد " تكلمي، معلمة مؤذية، سليطة لسان، حديثها وحشّي، وكلامها كذب، ولم أأخذ منها سوى الخيبة، والمعارك الصغيرة التي أشاحت ناظرّي عن الهدف الأساسي"
"لا شيء"...
يصدح الاسم في ساحة المدرسة بتكريمات متكررة، وسميه سعد العجمي 11 ع 2..
وتعيد حديث المشهد بيننا "وسميه سعد العجمي وعلى الحفّه عندي؟ والله انغريت فيك!"
وأرد برد يغيضها " هذا الختبار الأول، الشرح مو كافي ولا واضح، باقي الفاينل، العبرة بالنهاية"
أجد أنني ممن يتقنون العمل الذي لا يُرى بالعين، ولا يقرأ إسمي عليه، ورقتي حين تجهلها.. تفجعها"!
كان أكبر هاجس لي أن أشبهها هنا في هذا الميدان، في نفس القسم العلمي!
"دبرني فإني لا أحسن التدبير" فعرفت بعدها أنه"أوّل من يهب للمساعدة الذي عرف شعور الهلع!"
وعلمت حديثاً، لا ذنب لنا في شعور من حولنا بالاستياء حين نمضي الوقت بالعمل، ولا ذنب لنا بمشاحناتهم حين نمضي الوقت في صنع إبداع جديد، ولا ذنب لنا في يدنا الممدودة دائماً وقلبنا الوهاج إن كانو حريصين على العطاء، مجحفين بالحب -أخذا وعطاءً-!
اليوم يُعاد المشهد.. " لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين" .. بل أكثر!
لم يكن باب قلبي موصد بشكل جيّد، وكان قلبي مشككا في الأشواك التي تملأ الحديقة، بين الورود الزاهية والباهية، يعود نفس الشوك لينغزني لا ليؤلمني!
تعود بي الذاكرة، فأجد سدّصا أمام هذا الجحر المسموم.. لكننّا نلدغ لأننا نراهم بأعيننا.. ونحبهم بقلوبنا.. ونمتن لعطاؤهم ووقتهم لنا!
ارزقنا الفطنة، وارزقنا ميزاناً بين العقل والقلب، أعطنا مفاتيح لقلوبنا واجعلها مغلّقة، وارسم بيننا وبين المؤذين صراطاً مستقيماً لا يجرؤون
تجاوزه، ولا يحيدون عن استقامته، لا يصلون به إلى افئدتنا، ولا يبصرون به أعمالنا، سعينا، وابتهاجنا..
"لا المال يبقى ولا الأرواح خالدةٌ
لا شي يبقى سوى ذِكراك والأثرُ
يفنى العِبادَ ولا تفنى صنائعــــــهم
فاختر لنفسك ما يحلو به الأثر.."
وسم 🌸🍃..
الأربعاء؛ 4 ديسمبر 2024م

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق