"أنصفوا اللون الرمادي، والمقعد الواحد في المقاهي.."
- ياسمين-
أعلم أن
المنتصف شعور غريب، مريب..
المنتصف هو أنك لست بالبداية فتنطلق بشغف،
وأنك لست في النهاية لتقفز فرحاً، أو تنحني شكراً!
المنتصف
موقع يشبه اللون الرمادي،
لون بين نقاء الأبيض الذي تخشى أن تدنسه
أو غموض الأسود وتخشى أن يؤرقك!
الرمادي لا
يدنس ولا يؤرق..
لا يصف
المنتصف سوى الرمادي..
أوّد إنصاف
شعوره، وبريقه، ووجاهته..
نعم.. بريقه..
أجد أن كلّ الألوان تفقد بريقها في حضوره..
اللون الرمادي هو لون اللحظات التي لا تنتمي إلى الفرح
ولا إلى الحزن..
اعتياد..
لحظات نقف فيها في المنتصف
لا بدايتها البريئة
ولا نهايتها الحكيمة..
في الرمادي
تختبئ قصتنا الحقيقية!
كنت أظن أنه
لون الخمول،
وكنت أظن
أنه لون الخوف،
لكنّي أدركت
أنه اللون الذي نلجأ إليه حين لا نعرف..
هل نطلب
الحب؟ أم اننا نحتمي منه؟
هل نستحق
الأمان؟ أم نخاف أن يؤخذ منّا؟
كنت أظن أنه
لون اللا حسم.. ووجدت أنه لون العبور..
عبور لأولئك الذين تعبو من التناقض،
فاختاروا أن يقفوا بين الظل والضوء..
لا يسابقون الآخرين وأحلامهم،
وإنّما ينظرون في أنفسهم وأحلامهم!
الرمادي هو
لون له فلسفة تشبهني..
ليس بلون
حياد كما يظنّه الناس..
إنّه خيط
بين النور والظلمة..
في عيني له بريق آسر..
وفي روحي،
لون القلوب الكبيرة التي تعلمت كيف تقف بثبات
بين شتات المشاعر.. أن تقف بين الاندفاع والحذر، بين الحب والصمت..
وفي شعوري،
ليس لون الفتور، بل الجرأة في ألا تنتمي لصخب الألوان..
هو لون من
عرف كيف يعيش بسلام حين ضجّت الدنيا..
الرمادي،
لون من اختار المنتصف ليس لأنه تائه وإنما اختياره للتوازن..
في الرمادي
كبرياء لا يصرخ، وثقة لا تشترى، ونقاء لا يدنس..
هو لون
النفوس التي تتقن الحضور بلا استعراض،
وتجيد الحب بلا انكسار، وتتقن الهيبة بلا جلبة -الجلبة هي الصخب والضجيج-!
حين يختار المرء الرمادي..
فإنه يختار الرصانة، الاتزان، العمق..
الرماديّ تعني..
سخّي لا
يسرف..
وودود لا
يتملق..
ومازح لا
يسخر..
وحزين لا
يسخط..
وغاضبُ لا
يفجر..
الرمادي عين
فاحصة توازن وتحاول وتنضبط،
الرمادي
وجهة ليست مثالية وليست على خط سير مستقيم،
وليست
بعشوائية تتخبط تارة وتارة..
هي انضباط
مستمر.. ومحاولة دائمة بين التسديد والمقاربة..
في الرمادي
تدرك أهمية المحاولة أكثر من حتمية الوصول..
سعّي..
لكلٍّ مِنّا
وجهة اليوم..
أجد أن
الرمادي بلدٌ ووجهة..
لأهلها سمة
مشتركة.. يعرفون بها من وجوههم!
لا يجيدون الزيف،
ولا يحبون الصخب،
الصمت عندهم صدق، والحديث عندهم بلاغة!
هي وجهة لها
غيم يوعد بالمطر،
وأرض لها
صبرٌ قبل الزهر،
وبحرٌ هادئ
صامت وله مدٌّ مكتوم..
في صدورهم حب لا مشروط،
وعتاب غير منطوق.. وفي وجوههم رضاً ورحمة..
في
الرمادي.. عزلة عن القال والقيل..
ونظرة نحو ما وراء السلوك..
أنك تدرك ما خلف هذا الأذى وأنّك تدرك ما وراء هذا المؤذي فلا تعذل ولا تلوم..لا تبرره وإنما تتركه.. لأنك تقف في المنتصف وتفهم ما لا يقال.. لا تٌسلب تماماً ولا تثأر أو تتألم.. فقط تتعاطف!
ليس ضعفاً
وإنما اتزان..
الرمادّي هو
أن تتقبّل من تحبهم ولا يحبونك،
وتأنس بمن
تحبهم ويحبونك،
وتحترم من
يحبوك ولا تحبهم،
وتتفادى من
لا تحبهم ولا يحبونك..
ذكاء
عاطفّي..
في الرمادي،
أرض واسعة تشجّع المرء أن يكون ذاته بالكامل..
في الرمادي،
أعلى صيغ الحب.. وإن لم ترفع في الكلمات..
الحب في هذه
الوجهة أن تترك الآخر كما هو وتعترف أن وجوده الحقيقّي كافٍ..
الحب في هذه
الوجهة أن تعطي الآخر مساحته ليكون حرّاً ومرتاحاً، وغير مراقب..
الحب في
الرمادي أن تأمن مقامك ومكانهم آمن عندك!
أمان..
عندما تتجه
إلى تلك الوجهة.. وتأخذ تصنع خبزا.. أرز.. أو أي مما تجيد، إنك لا تأكل فحسب..
إنّك توازن
ما أنت آكله، وما أنت تاركه، وما أنت فاعل بما تتركه..
عند تلك
الوجهة إنكّ تعرف كيف تعيد صياغة ما لم تجيده من طعام إلى شيء جديد أحسن، أو شيء
جديد لفعل حسن..
أتذكر مرّة fettuccine alfredo لم أتقنها..
غسلتها حتى
أصبحت لا شيء لا شيء.. فأمست طعام للقطط..
في
الرمادي.. لا نلقي فتاتاَ على الأرض، وإنّما ننثره لدواب الأرض..
الرمادي هو
أن تكرِم وتُكرم بفعلك أنت لا انتظار ردت فعل!
عطاء..
في الرمادي
لا ملل،
منطقة سلام
واستسلام،
منطقة
اعتدال وعدل،
جمال لا
اهمال،
استثمار لا
رفاهية،
حضور لا
أفول..
من وصل للمنطقة
الرمادية يدرك حقاً أنّه إنسان مذهل،
قد تجاوز
تجارب قاسية، ولا يزال واقفاً،
ليس مدحاً
بالرماديين وإنما هي حقيقة ترفع شعورهم بذاتهم..
هم
الأذكياء، اللطفاء، المرنين، ولا يزال يتعافى كل منهم ويتقدّم..
لهم نوع
نادر من البطولة كما قالت أمل السهلاوي وهي تكتب
"هناك
نوع نادر من البطولة يسمى البطولة الصامتة..
وذلك يحدث
فقط حين تحقق أعظم الانتصارات..
لدرجة تجعلك
زاهداً في مشاركتها مع الآخرين لامتلائك بالرضا العميق الذي لا يحتاج إلى تصفيق
العالم أو ثناؤه.."
تخيّل محقق الانتصارات، معتاد الوصول والنجاحات وهو يركن إلى ركن شديد،وسرب آمن كل ليلة، يعلم حقيقة نفسه، ويعرف هدف عمله، يراه في عينه صغيرا، وفي أعين الناس كبيرا!
تخيّل.. سكينة..
في هذه الوجهة..
أو في بلدة الرمادّي..
سعداء لا يحطمون غيرهم،
وواثقون يحتفلون بنجاحات أصحابهم.. زملائهم..
هادئون
ينشرون الأمان.. السلام.. لا يعرفون الفوضى!
آمنون
يرفعون من حولهم بدلاً من انتقادهم..
لأني لم
أعتاد أن أكتب قشور معرفتي بالآخرين، وإنما عمقهم..
قال
المتنبي" لا تحسبوا رقصي بينكم طرباً"
وأجد في ذلك
دفاعٌ نفسيُّ مقنع للرماديّ،
حين يظهر
الرمادي سلوكاً للتظاهر بالقوة عندما لا يكون عندك خيار آخر..
الرمادي لا
يعرف وجه الهزيمة وإنما شعورها، فهو البشر والبشاشة..
والرمادي لا
يعرف دور الضحية، بلّ البسالة والانتصار في النجاة..
الرمادّي
يحدّث الجميع عن اخفاقاته لأنه يعلم أنها من لمعّته..
الرمادي
يتحدث كثيراً عمّا فقده لأنه يعلم أنها من أعطته..
نجاح..
على الرغم من حضورهم اللافت،
إلا أنهم
انتقائيين في العلاقات، يخلقون حاجزهم النفسّي بإتقان،
لهم حدود
وقائية، لا يجازفون في راحة بالهم..
وليس هذا
بخيارهم وإنما ضرورة نفسية لحماية ذاتهم من الانهيار من جديد..
الرحلة إلى سلامهم
النفسّي وسعادتهم مكلفة..
فهم يغلّقون
الأبواب في وجه أي شعور\شخص\موقف سلبي..
عند
الرمادي.. إكرام الذات أولوية..
إكرام الذات
بمقام الماء والهواء..
ينتقون من الرفقة أطيبها،
ومن الحب أصدقه وأرقاه،
ومن المجالس أرحبها..
وفي أحيانا
أخرى تجدهم رفقاء للاستقرار، والحرية، والمال..
فليس دائماً
هم بحاجة إلى نصف آخر..
وإنما حاجتهم الحقيقة مساحتهم الآمنة التي تأنس بها ذاتهم،
وتكافئ على تعبها..
لا يجبرون أنفسهم
على علاقات لا تشبههم، فهم لا يخافون الفراغ..
في تلك الوجهة
ستجد لافتة وتقرأ عليها "وأفوّض أمري إلى الله"
يعيدون صياغة انكسارهم وفشلهم،
فلا يعودوا قابلين للانكسار مرة أخرى!
قد يخسرون،
المال، الأصدقاء، الفرص الاجتماعية، الوظيفية، والمكانة..
ويصلون إلى
قاع لم يتخيلوه يوماً..
وينهضون بيقين
"كل أمر ابن آدم خير"..
نمط ذهني يصف
المرونة النفسية التي اتصفوا بها..
يعيدون
تنظيمهم الداخلي وسط الفوضى..
ويجدون
المعنى حتى في الفقد..
هم ناجحون،
ولكن لم تخلوا حياتهم من السقوط..
لكنهم يملكون
مرونة من يقين قادر على ترتيبهم بعد كل انكسار..
يقين..
ينجز ما يجب
إنجازه ولا ينجز ما يحب إنجازه- حتى وان كانوا لا يملكون الرغبة في فعله-
لا يعملون
ان كانت الأمور سهلة، ولكنهم يكملون حين تصعب..
يتجاوزون
المزاج لصالح الهدف...
يجيدون
الكتابة حتى لا يفرطون في التفكير..
يقدرّون
الرياضة حتى يفرغوا بها من ضغوطاتهم..
يتحركون حتى
لا يأكلهم القلق..
يدونون حتى
تتضح لهم الرؤية..
خططهم واضحة
فلا يسوفون..
يعرفون أن
الاهتمام قد لا يكون حباً...
وأن التعلق
ليس ارتباطاً..
والحد
الأدنى من الجهد لا يستحقونه..
لا يكتفون
بالفتات..
ولا يخلطون
بين الحضور المؤقت والعميق..
هم يعرفون
أنفسهم جيداً..
ويعرفون
مؤشرات من يقترب منهم ومن يتنحون عنه..
ليست أيامهم
مثالية وليس أصدقاؤهم دائما بالجوار..
وليست
قراراتهم تصيب في كل مرة..
يخطؤون ويتعلمون
ويغيبون وتمر عليهم أيام ثقال..
ولكنهم
يستمرون..
ويخرجون من
كل تجربة بنسخة أفضل..
يعرفون
أنفسهم أكثر..
ويحبونها
رغم كل العثرات..
عافية..
في الرمادي التوقيت مختلف، هم يعرفون من أين جاؤوا..
وكيف جاؤوا .. فلا يسابقون ولا يسبقون.. وأعينهم على ساعة اللحظة.. يرددون "هنا والآن" ستعلم معهم أنهم لا يفتون اللحظة، ولا يطيلون الأمل.. يعرفون أن هذا الوقت سيمضي، وأن "الآخرة خير وأبقى" فلا يحسدون.. يجرّهم الماضي و يتناسونه، ويغريهم المستقبل ويتجاهلونه.. لا اكتئاب.. ولا قلق..
رضا..
إليك..
إن كنت ستقترب منهم.. عليك أن تكون نفسك فحسب..
إما أن يرحبوا ويستأنسوا بك وإما أن يحترموك..
اثنان لا ثالث لهما..
وإن استأنسوا بك..
عليك أن تدرك اللحظة التي أعطوك إياها..
كن ذا حضور كامل.. كن صادق.. كن أنت فحسب..
إياك قول الشاعر.. "الروح في بلد والجسم في بلد"
إن كنت قد دخلت أسوارهم..
عليك أن تكون حاضراً ولا تغفل تفاصيلهم..
- واحذر تفاصيلهم.. إنّها آسره-
أعيد تكراراً..
إياك نصف
الاهتمام.. ونصف الحضور..
احتفي،
واعرف جوهرهم الحقيقي..
"هم الشعراء
الذين لا يكرههم الشعر، والناجحون الذين لا تغلبهم المناصب، يمشون بيننا ويتركون
الأثر بلا ضجيج.."
هم لا
يصافحون بقبضة ناقصة، ولا يقدمون وداً مخلوطاً، ولا أذاً مقنعاً، ولا حديثاً ناعمه
فيه مرارة القصد وخزي التلميح، لا يقتربون ليلذعون ولا ينتظرون سقطة ليشمتون.
"كلّ
النجاح اللي نجحته من الله لا كان من جهدي ولا باجتهادي
كم ضاع غالي
من غلو العواطف مثل
الفرص لا ضيّعتها المبادي
ضجّت جروحي بين أبيض وأسود أحتاج لـ سكون اعتدال الرمادي"
وسم 🌫️🩶✨
#was_lm

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق